صديق الحسيني القنوجي البخاري
503
فتح البيان في مقاصد القرآن
إلى السماء وهو في الجنة ، وبه قال الحسن . وقال السدي : رموه بالحجارة وهو يقول : اللهم اهد قومي ، حتى قتلوه . وقيل نشروه بالمنشار حتى خرج من بين رجليه ، فو اللّه ما خرجت روحه إلا في الجنة فدخلها فذلك قوله تعالى : قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ أي قيل له ذلك عند موته تكريما له بدخولها بعد قتله كما هي سنة اللّه في شهداء عباده ولم يذكر لفظ ( له ) في نظم الآية لأن الغرض بيان القول دون المقول له فإنه معلوم ، وعلى قول من قاله إنه رفع إلى السماء ولم يقتل يكون المعنى : إنهم أرادوا قتله فنجاه اللّه من القتل وقيل له : ادخل الجنة وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة الآن ، وعليه فالأمر أمر تكوين لا أمر امتثال على حد قوله : أن يقول له كن فيكون ، فالمعنى أدخله اللّه الجنة سريعا فلما دخلها ورأى نعيمها وشاهدها . قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر ، أي فماذا قال بعد أن قيل له : ادخل الجنة فدخلها ؟ فقال يا ليت قومي . . . الخ . وهم الذين قتلوه فنصحهم حيا وميتا . قال ابن أبي ليلى : سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا باللّه طرفة عين علي بن أبي طالب ، وهو أفضلهم ، ومؤمن آل فرعون ، وصاحب يس وهم الصديقون . ذكره الزمخشري و ما في بِما هي المصدرية ، وقيل موصولة أي بالذي غفر لي ربي ، والباء صلة يعلمون ، والعائد محذوف ، أي غفره لي ربي ، واستضعف هذا لأنه لا معنى لتمنيه أن يعلم قومه بذنوبه المغفورة وليس المراد إلا التمني منه بأن يعلم قومه بغفران ربه له ، وإليه أشار في التقرير ، وقال الفراء : إنها استفهامية جاءت على الأصل بمعنى التعجب . والباء صلة غفر كأنه قال بأي شيء غفر لي ربي يريد به المهاجرة عن دينهم ، والمصابرة على أذيتهم ، قال الكسائي : لو صح هذا لقال : بم من غير ألف ، ويجاب عنه بأنه قد ورد في لغة العرب إثباتها وإن كان مكثورا بالنسبة إلى حذفها وفي معنى تمنيه قولان : أحدهما أنه تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته إرغاما لهم ، وقيل : إنه تمنى أن يعلموا بذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل حاله ، ولما وقع ما وقع منهم مع حبيب النجار غضب اللّه له وعجل لهم النقمة ، وأهلكهم بالصيحة فقال : وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ أي على قوم حبيب النجار من بعد قتلهم له أو من بعد رفع اللّه له إلى السماوات على الاختلاف السابق . مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لإهلاكهم وللانتقام منهم ، أي لم نحتج إلى إرسال جنود من السماء لإهلاكهم كما وقع ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : يوم بدر من إرسال الملائكة لنصرته